الصحة والمخاطر النفسية-الاجتماعية لدى عمال الصيد البحري. دراسة نسقية بموانئ الغرب الجزائري (وهران، مستغانم،عين تموشنت وتلمسان)

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : الصحة العمومية والمجتمع
الملخص

يعاني الصيادون الجزائريون من المخاطر المهنية التي تهدد صحتهم وسلامتهم. وتشمل هذه المخاطر عوامل جسدية ونفسية واجتماعية وبيئية، مما يؤدي إلى ارتفاع انتشار العديد من المشاكل الصحية مثل اضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي، وأمراض القلب والأوعية الدموية، ومشاكل الصحة النفسية، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات حوادث العمل. ويُساهم نقص الوعي بأهمية السلامة والصحة المهنية وضعف تطبيق الإجراءات الوقائية بشكل كبير في تفاقم هذه المشاكل، مما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية صحة وسلامة هذه الفئة من العمال.

الإشكالية

سياق الاشكالية

يعدّ قطاع الصيد البحري من القطاعات الحيوية لاقتصاديات الدول ولاسيما في الجزائر الذي يساهم في الأمن الغذائي وتعزيز الاقتصاد الوطني فهو. فالقطاع يوظف حسب الديوان الوطني للإحصاء 2019 والذي بلغ عمال الصيد البحري 49.903 صيادا وهم موزعين على مناصب عمل دائمة وأخرى غير مباشرة[1]. هذه الموارد البشرية وعلى الرغم من أهميتها، فإنّ الدراسات عن الصحة المهنية لهؤلاء العمال في الجزائر لا تزال مجالا قليل الدّراسة حسب اعتقادنا وهذا النقص حول هذه الفئة المهنية يعيق تنفيذ تدابير الوقاية والسلامة والأمن وحماية صحة هؤلاء العمال.

وبحسب تقرير نشر من طرف منظمة العمل الدولية (2019)[2]، يعتبر العمل في قطاع الصيد البحري من أخطر المهن، ففي كل عام يقتل 24 ألف صياد وغيرهم من العاملين في تربية الأسماك، مما يجعل الصيد والمهّن المرتبطة به من أخطر المهن، إذ يتطلب جهدا بدنيا في أخطر بيئات العمل وهي البحر.

إنّ أغلب الأعمال التي يقوم بها الصيادون هي يدوية وتمارس في ظروف عمل غير مرضية مما ينجر عنها أخطار نفسية اجتماعية وجسدية، وتكون لها آثار سلبية على صحة وجودة حياتهم. وحسب الدّراسات ارتبطت العوامل النفسية الاجتماعية بزيادة خطر الإصابة بالأمراض وأحيانا حتى الموت.

قدمت منظمة العمل الدولية (ILO) [3] تكييف اتفاقية عمل في الصيد سنة 2007 تهدف إلى ضمان حصول الصيادين على ظروف عمل لائقة على مثن سفن الصيد إلا أنّها لم تدخل حيز التنفيذ لأنّ معظم الدول لم تصادق عليها وذلك لنقص الوعي العام والضوابط حول ظروف الصحّة والسلامة المهنية لمهنة الصيد البحري وكذلك عدم توفر البيانات حول الظروف المهنية على متن سفن الصيد.

نظرة شاملة عن الأمراض المهنية لدى عمال الصيد

وفي غياب البيانات والدّراسات عن الصحة المهنية عند عمال الصيد البحري في الجزائر؛ فالاطلاع على الدراسات السابقة يجعلنا نتفحص الأمراض الطبية والنفسية الجسدية التي يتعرض لها مهنيوّ الصيد البحري ونذكر ما يلي:

1) الأمراض الجسدية

- حوادث العمل: يعتبر العمل في قطاع الصيد البحري نشاطا خطيرا بطبيعته، مما يعرض الصيادين لخطر كبير للحوادث وتشمل الحوادث الشائعة السقوط على متن السفينة أو في البحر، والإصابات، والجروح أثناء التعامل مع الحيوانات البحرية، والحروق الناجمة عن الآلات والغرق[4].

- الاضطرابات العضلية العظمية (les troubles musculosquelettiques): تساهم المهام المتكررة والمواقف الحرجة واهتزازات الآلات والتعامل مع الأثقال في زيادة الاضطرابات العضلية لدى الصيادين والتي تؤثر بشكل رئيسي على الظهر والأطراف العلوية والمفاصل.

- الصمم (les surdités): قد يؤدي التعرض لفترة طويلة للضوضاء الصادرة عن الآلات الموجودة على متن السفينة إلى فقدان السمع لدى الصيادين[5].

- أمراض الجهاز التنفسي: استنشاق الغبار والغازات يمكن أن يسبب مشاكل في الجهاز التنفسي، ومن بينها مرض الربو[6].

- الأمراض المعدية كالتهاب الكبد C باعتباره مرضا مهنيا للبحارة.

- الحساسية: الاتصال المتكرر بالمياه المالحة والأسماك والكائنات البحرية الأخرى يمكن أن يسبب حساسية الجلد والجهاز التنفسي.

- انخفاض حرارة الجسم: يتعرض الصيادون الذين يعملون في المياه الباردة لخطر انخفاض حرارة الجسم، خاصة إذا سقطوا في البحر[7].

- الأورام والسرطانات: زيادة الإصابة بالسرطان: تشير الدراسات إلى أن بحارة الصيد لديهم خطر متزايد للإصابة بأنواع معينة من السرطان مقارنة بالمهن الأخرى. وهذا يؤكد أهمية الإشراف الطبي المنتظم والكشف المبكر.

الأمراض النفسية والعقلية

- التعب والملل: تساهم ظروف العمل المحددة للبحارة، بما في ذلك العزلة والرتابة والفترات الطويلة في البحر، إلى الشعور بالتعب والملل، مما قد يكون له عواقب نفسية جسدية.

- الإجهاد: عمل الصيادين شاق ومجهد، مع ساعات عمل طويلة، وظروف مناخية لا يمكن التنبؤ بها، وضغط مستمر لتحقيق أقصى قدر من الصيد. يمكن أن يؤدي التوتر المزمن إلى مشاكل الصحّة العقلية مثل القلق والاكتئاب والإرهاق.

- متلازمات القلق والاكتئاب: يزيد التوتر المزمن المرتبط بالطبيعة الخطيرة للمهنة والمسافة بين أفراد الأسرة والظروف المعيشية الصعبة من خطر الإصابة بمتلازمات القلق والاكتئاب (Anxiété et le syndrome dépressif).

- اضطراب ما بعد الصدمة (Trouble de stress post-traumatique): يمكن أن يتعرض الصيادون لأحداث مؤلمة مثل الحوادث الخطيرة أو العواصف العنيفة أو أعمال القرصنة. يمكن أن تؤدي هذه الأحداث إلى اضطراب ما بعد الصدمة، الذي يتميز بذكريات الماضي والكوابيس والقلق الشديد.

- الضيق النفسي: يمكن أن تساهم العزلة الاجتماعية والظروف المعيشية الصعبة على متن السفينة والبعد عن الأسرة في حدوث ضائقة نفسية لدى الصيادين.

عوامل أخرى

- كتعاطي الكحول والتبغ والذي أضحى أمرا شائعا في أوساط الصيادين ويمكن أن يؤدي إلى تفاقم مشاكل الصحّة البدنية والعقلية، فضلا عن زيادة خطر وقوع الحوادث.

- قد يكون لدى الصيادين، وخاصة أولئك الذين يعملون على متن السفن الصغيرة أو في المناطق النائية، إمكانية محدودة للحصول على الرعاية الطبية، مما قد يؤخر تشخيص الحالات وعلاجها.

وفي هذا السياق، فإنّ العمل في البحر، وخاصة في قطاع الصيد البحري، يعرض العمال للعديد من المخاطر المهنية، وقد تكون جسدية (الجهود البدنية، والوضعيات المقيدة، والاهتزازات، والضوضاء)، أو نفسية (كالإجهاد، والعزلة، والتعب) أو بيئية (الظروف المناخية القاسية، والتعرض للمواد الكيميائية).

في الجزائر، غالبا ما يتميز قطاع الصيد البحري بظروف عمل صعبة، مع نقص الموارد ومعدات السلامة، وضعف تطبيق لوائح الصحة والسلامة المهنية.

وبالتالي فإنّ السؤال الأولي لهذا البحث هو كالتالي: ما هي أهّم المخاطر المهنية التي يتعرض لها الصيادون في الجزائر وكيف تؤثر على صحتهم النفسية والجسمية؟

الفرضيات

يتعرض الصيادون لمجموعة واسعة من المخاطر المهنية، تشمل المخاطر الجسدية والنفسية والاجتماعية والبيئية.

تساهم هذه المخاطر المهنية في زيادة انتشار بعض المشاكل الصحية بين الصيادين، مثل الاضطرابات العضلية العظمية، وأمراض القلب والأوعية الدموية والشرايين، مشاكل الصحة العقلية، وحوادث العمل.

قلة الوعي بالمخاطر المهنية وضعف تطبيق الإجراءات الوقائية يؤدي إلى تفاقم المشاكل الصحية في هذا القطاع.

النتائج المتوقعة

من بين النتائج المتوقع استخلاصها تتجلى فيما يلي:

- سد النقص في البيانات المتعلقة بالصحّة المهنية للصيادين في الجزائر وإعداد مدونة الأمراض المهنية، يعتبر خطوة أساسية نحو تحسين ظروف العمل والحماية الاجتماعية لهم، من خلال إنشاء قاعدة بيانات شاملة، يمكن للسياسات العمومية اتخاذ قرارات تدعم صحة وسلامة الصيادين، مما يساهم في تعزيز استدامة قطاع الصيد البحري في البلاد.

- - رفع مستوى الوعي بين أصحاب العمل، النقابات، الصيادين بالمخاطر والمشاكل الصحية التي يواجهها الصيادون.

- المساهمة في وضع السياسات والبرامج الهادفة إلى تحسين الصحّة والسلامة المهنية في قطاع الصيد البحري.

- تحسين صحة ورفاهية الصيادين، مما سيكون له أثر إيجابي على نوعية حياتهم واقتصاد البلاد.

[1] إجمالي الوظائف المباشرة : 56,206 وظيفة تمثل 47.8% من إجمالي وظائف القطاع وهي:

- أصحاب العمل الساحلي (Patrons côtiers): 5,347 بنسبة 10.1% من الوظائف المباشرة.

- الميكانيكيون: 2,699 بنسبة 4.7%.

- الصيادون: 48,160، ويمثلون الفئة الكبيرة يما يعادل 85.2% من العمالة المباشرة.

إجمالي الوظائف غير المباشرة: 59,466 بنسبة 52.2%.

- إجمالي العمالة (المباشرة وغير المباشرة): 115,672، بمعدل نمو 5.9%.

[2] (BIT). (1999). La sécurité et la santé dans l'industrie de la pêche. Genève : BIT. ISBN 92-2-211829-4

[3] Organisation Internationale du Travail (OIT). (2007). Convention sur le travail dans la pêche, 2007 (N° 188) . Guide pour les syndicats. https://www.itfglobal.org/sites/default/files/resources-files/fishing_con_arb_0.pdf

[4] Patrick Chaumette. Les risques professionnels à la pêche : prévention et responsabilisation. Fernandez prol. Los desafíos de la pesca sostenible : diagnóstico y propuestas desde una óptica jurídica, jm bosch editor, pp.287-310, 2021, 978-84-124109-4-5. Hal-04010545

[5] Chaumette, P. (2008). De la prévention à la pêche maritime : protéger les marins autant que la ressource halieutique. Revue française des affaires sociales, nos 2-3, 323-339.

[6] / (OIT). (2007). Conditions de travail décentes, sécurité et protection sociale – convention et recommandation sur le travail dans la pêche

[7] Initiative des partenaires sociaux du secteur de la pêche. (2007). Guide européen pour la prévention des accidents en mer et la sécurité des marins pêcheurs. Co-financé par l’union européenne

← العودة إلى القائمة