التمثلات وفضاءات المخيال في الرواية الجزائرية

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : اللغات والتعبيرات الأدبية والفنية

الإشكالية

يعالج هذا البحث فكرة توظيف الرواية الجزائرية للقضايا المتعلقة بالتمثلات (Les représentations) التي تبني التصورات حول الأشياء والعالم والطبيعة والعلاقات الاجتماعية والمؤسسات والظواهر المختلفة عن طريق الصور المخيالية والعلامات باعتبار أن هذه التصورات تملك علاقة وطيدة مع الذاكرة الجماعية والأثر والمعالم الثقافية التي ترتبط بالفضاءات المخيالية (Espaces imaginaires).

ويمنح موضوع الفضاءات الحضرية للمدينة أهمية خاصة للباحثين في مختلف حقول المعرفة الإنسانية) علم العمران، علم الاجتماع، علم النفس الاجتماعي، السيموطيقا، تحليل الخطاب، والنقد الأدبي،(، لما تتضمنه هذه الفضاءات بوصفها أماكن للسكن من جوانب ذات طابع سوسيولوجي واقتصادي ورمزي.

فالمدينة باعتبارها مجالا يملك طوبوغرافيا وجغرافية خاصتين بها والمتكون من الأشكال المعمارية، تنبئ عن تاريخ المجتمع الذي أسسها، كما تنسج ضمنها مختلف العلاقات المرتبطة بالتبادل الاجتماعي، الرمزي والاقتصادي الذي يمنحها هوية خاصة.

يمكن هذا الجانب المحدد لمعالم للفضاء ولقاطنيه من إعطاءه مبدئا ثقافيا يميزه عبر التاريخ. ومن المفارقات التاريخية، كون نشأة المدن في العصور الحديثة قد رافقتها انبثاق الكتابة الروائية، بوصف هذه الأخيرة جنسا أدبيا جديدا يبين عن العلاقات البشرية بشكل غير مسبوق. وقد نتج عن الثورات الصناعية المختلفة، التي كانت المدن مهدها لأول خلال القرنين الأخيرين، تراتبية اجتماعية وتشظي للفضاء الحضري إلى عدة أماكن: أماكن للعمل وأماكن للسكن والراحة وأخرى للتفاوض التجاري وأحياء لأغنياء وأخرى للفقراء...

وقد تحولت هذه الفضاءات بسرعة إلى أماكن نموذجية ومفضلة بالنسبة للروائيين لأجل بناء الحبكة الروائية التي تنسج خيوطها بشكل مثير للغاية، وحيث تشكل هذه الفضاءات بالنسبة للأدب الروائي الإطار الحيوي الذي تنمو في الأحداث والشخصيات في أبعادها الفردية والاجتماعية.

وقد قام الروائيون الجزائريون، على غرار باقي الروائيين في البلدان الأخرى بتوظيف هذا العنصر المكوّن للتخييل الروائي لبناء قصصهم التي تتضمن موضوعات مختلفة تتعلق بالمغامرة أو بالرحلة والصراعات الاجتماعية.

وقد أخذت المدينة بوصفها فضاءا مخياليا مع ظهور جيل الخمسينيات من القرن الماضي) ثلاثية محمد ديب ونجمة كاتب ياسين وغيرهما...(، رمز السلطة الكولونيالية وتحولت إلى فضاء للغيرية حيث تسيطر الكراهية ويهيمن على الشخصيات الروائية اليأس والتيه.

وبالتالي يمكننا التساؤل حول تمثل هذه الفضاءات المخيالية التي تشكلها المدن وحول وصيرورتها وتحولاتها في الأدب الروائي الجزائري سواء المكتوب باللغة الفرنسية أو باللغة العربية في فترة ما بعد الاستعمار لدى كل من الطاهر وطار ورشيد بوجدرة والأعرج واسيني وغيرهم؟ كما يمكن طرح السؤال الأخر: هل أصبحت مدن الجزائر المستقلة فضاءات للتوتر والنزاعات الاجتماعية المختلفة) النزاع بين المدينة والقرية، صراع الأجيال، النزاعات الأيديولوجية والعنف الحضري والسياسي (؟ وهل صورت الرواية هذه الجوانب بشكل جلي؟

يتعلق الأمر إذا، بالنسبة لنا في هذا البحث، بدراسة وتأويل هذه الصور الأسلوبية والاستعارات وفق منهج سوسيونقدي، من خلال التطرق إلى مختلف التمثلات للفضاءات الحضرية وما يرافقها من أماكن مادية ورمزية، باعتبارها إطارا تنتج ضمنه أفعال الشخصيات الأدبية، وبتفحص العلاقة المتداخلة التي تقيمها هذه الشخصيات مع هذه الأماكن وأخيرا تحليل مختلف الخطابات المشكلة تجاه هذه البيئة الحضرية وامتداداتها.

← العودة إلى القائمة