الأونوماستيكية السياسية في الجزائر : دراسة أسماء أحزاب سياسية وقوائم انتخابية مستقلة

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : الطوبونيميا والأنثروبونيميا
الكلمات المفتاحية : البطالة
الملخص

تشمل الدراسات في علم الأسماء (الأونومستيك) عدة مجالات بحثية، مثل علم أسماء الأماكن (توبونيميا) الذي يهتم بدراسة أسماء المواقع، وعلم أسماء الأشخاص (أنتروبونيميا)، وعلم أسماء الجماعات البشرية (إثنونيميا) وغيرها. وبما أن اهتمامات هذه المجالات الثلاثة واضحة وقد أُجريت العديد من الدراسات حولها، ليس فقط في الدول المتقدمة (فرنسا، كندا، إلخ)، ولكن أيضًا في شمال إفريقيا وبالأخص الجزائر، فإن هناك مجالًا رابعًا ناشئًا يهتم بدراسة أنواع أخرى من الأسماء، ويعتبر من المجالات الحديثة والمحدودة الدراسات، ومن بين هذه المجالات علم الأسماء السياسية.

منذ عام 2018، ازداد اهتمامنا بالقضايا الأونومستية، حيث ساهمنا في مشروع بحثي بعنوان «إدارة الأسماء في الجزائر خلال الفترة الاستعمارية الفرنسية وما بعد الاستقلال: دراسة نقدية للنصوص القانونية»، وعملنا ضمن محور بحث بعنوان «دراسة النصوص القانونية المنظمة لمجال أسماء الأماكن في الجزائر منذ استعادة السيادة الوطنية». وقد أتاح لنا هذا المشروع فرصة الاستفادة من خبرتنا وتخصصنا في العلوم السياسية لدراسة النصوص والتشريعات المختلفة، مما دفعنا لبذل جهود أكبر لفهم هذا التخصص ومحاولة المساهمة فيه، حتى لو كانت المساهمات بسيطة (مشاركات في مؤتمرات علمية، إلخ).

مع الاطلاع على الأبحاث المنشورة في هذا المجال، خصوصًا من الناحية السياسية والقانونية، اكتشفنا تدريجيًا ما يعرف بالأونومستيك السياسي أو المؤسسي، الذي يهتم بدراسة الأسماء الخاصة بالمنظمات السياسية (أحزاب، جمعيات، نقابات، إلخ).

بعد قراءة العديد من المقالات والأعمال العلمية حول الموضوع، زاد اهتمامنا به وبدأنا بالتواصل مع أساتذتنا المتخصصين لمعرفة إمكانية العمل على هذا الموضوع. شجعتنا السيدة يرماش، المديرة السابقة لوحدة RASYD، على البحث في هذا المجال، خصوصًا لأنه قريب من تخصصنا في العلوم السياسية، وكذلك شجعنا الأستاذ فريد بن رمضان على دراسة هذا الموضوع وأبدى استعداده لدعم المشروع. ومن هنا، ورغم ضيق الوقت قبل موعد تقديم المشاريع، قررنا تكوين فريق بحث للعمل على هذا الموضوع المهم.

كانت معظم الدراسات التي اطلعنا عليها حديثة ونُشرت باللغة الفرنسية، وتتعلق غالبًا بأسماء الأحزاب السياسية في الدول الغربية، بينما الدراسات الخاصة بالأحزاب في العالم العربي أو الجزائر محدودة جدًا. من بين المقالات المهمة التي اطلعنا عليها مقال (Paul Bacot & Michelle Lecolle, «Noms de partis politiques : une onomastique atypique»، 2019) الذي عرف الأونومستيك السياسي بأنه: «أسماء تعكس خصائص معينة، تسمّي جماعات ويختارها الأفراد الذين سيطبقونها جماعيًا، وتتكون من كلمات ذات معنى ضمن اللغة اليومية». وبالتالي، اختيار اسم حزب سياسي قضية دلالية واستراتيجية في الوقت نفسه.

كما تناول مقال (Paul Bacot, «développement et diversification d'une politique onomastique», 2010) تطور الأونومستيك السياسي وفروعه المختلفة، مؤكدًا أن الاسم السياسي بحد ذاته خطاب. وبناءً عليه، يمثل البحث في أسماء الأحزاب السياسية في الجزائر فرصة لدراسة دلالات هذه الأسماء والمساهمة في النقاش الوطني حول مراجع الأحزاب وفهم الديناميات السياسية القائمة.

يشترك الأونومستيك السياسي، مثل باقي مجالات الأونومستيك، بعلاقات وثيقة وتداخلات مع خمسة مجالات أساسية: العلوم السياسية، التحليل السياسي، تحليل الخطاب، اللغويات، وعلم الاجتماع.

يختلف مشروعنا البحثي عن الدراسات السابقة في أنه يركز على أسماء الأحزاب السياسية في الجزائر، مع مراعاة تعددها وتنوعها، وهو ما يعطي الموضوع أهمية خاصة نظرًا لندرة الدراسات حول الجزائر، ولشغفنا بالبحث عن إجابات للأسئلة المطروحة.

سندرس أسماء مجموعة من الأحزاب السياسية في الجزائر، ليس فقط من الناحية اللغوية والدلالية، بل أيضًا من الناحية القانونية والسياسية والأيديولوجية، لفهم كيفية اختيار الأسماء وعلاقتها بالانتماءات الفكرية للأعضاء المؤسسين، واستراتيجيات الوصول إلى السلطة، وتطوير المجتمع وفقًا لرؤاهم. وستشمل الدراسة أهم الأحزاب السياسية وعلاقتها بأسمائها وممارساتها على الأرض، مع ملاحظة التناقضات، مثل وجود اسم يعكس الديمقراطية بينما يظل الحزب تحت إدارة قيادات لفترة طويلة أو يتم التغيير بالقوة أو القضاء، وهو ما يمثل مفارقة بين الاسم والممارسة.

الإشكالية

تتنوع المجالات التي تهتم بدراستها الأونوماستيكية (onomastique) أو علم الأسماء، ومن أهم تلك المجالات البحثية نذكر: الطوبونيميا أو أسماء المعالم الجغرافية، والتي تهتم أساسا بدراسة أسماء الأماكن؛ الأنثروبونيميا التي تقوم بدراسة أسماء الأشخاص؛ الإيثنونيميا، والتي تركز على دراسة المجموعات البشرية؛ وانطلاقا من اعتبار مجالات اهتمام هذه المجالات الثلاثة قد اتسمت بالوضوح، وتم تقديم العديد من الدراسات حولها، ليس فقط في الدول المتقدمة (فرنسا، كندا، ..الخ)، ولكن أيضا في شمال أفريقيا والجزائر على وجه التحديد، فإنه قد تم تصنيف مجموعة رابعة على أنها تهتم بدراسة أنواع أخرى من الأسماء، وذلك باعتبار تلك المجالات حديثة ومستجدة، والدراسات حولها محدودة أو قليلة العدد، ومن بين هذه المجالات ما يسمى الأونوماستيكية السياسية (onomastique politique).

منذ سنة 2018، بدأت اهتماماتنا تتزايد بالمواضيع الأونوماستيكية، حيث ساهمنا في مشروع بحثي حول "التسيير الأونوماستيكي في الجزائر خلال فترتي الاستعمار الفرنسي وبعد الاستقلال: دراسة نقدية لنصوص قانونية"، أين اشتغلنا على محور بحثي حول دراسة النصوص القانونية التي تسير الحقل الطوبونيمي بالجزائر منذ استعادة السيادة الوطنية. وقد استفدنا من العمل حول هذا المشروع، بكم تخصصنا الأصلي (العلوم السياسية)، وطبيعة المشروع التي تؤدي بنا بالضرورة إلى دراسة مختلف النصوص والتشريعات، واستعمال معارفنا القبلية في هذا الاتجاه. كل هذا قد جعلنا نبذل المزيد من الجهد للتعرف أكثر على هذا التخصص، ومحاولة تقديم مساهمات فيه، مهما كانت بسيطة (مداخلات في تظاهرات علمية ..الخ). وأثناء اطلاعنا على الأبحاث والمنشورات المنجزة في هذا الحقل المعرفي، بالأخص من الجوانب السياسية والقانونية، تعرفنا تدريجيا على ما يسمى بالأونوماستيكية السياسية أو المؤسساتية، والتي تعنى بدراسة مختلف الهيئات والتنظيمات السياسية في الدولة (أحزاب، جمعيات ...الخ).

بعد اطلاعنا على مجموعة مقالات علمية باللغة الفرنسية حول هذا الموضوع، زاد اهتمامنا به، وشرعنا في الاتصال بأساتذتنا المختصين، لمعرفة إمكانية الاشتغال حول الموضوع. السيدة يرماش، المديرة السابقة لوحدة رصيد قد شجعتنا كثيرا للبحث في هذا الموضوع، بالأخص لكونه قريبا من تخصص الباحث (العلوم السياسية)، والبروفيسور فريد بن رمضان أيضا شجعنا على دراسة الموضوع وأعرب عن استعداده لتقديم الدعم والتوجيهات عن إنجاز هذه الدراسة، ومن هنا وبالرغم من ضيق الوقت قبل آخر أجل لإيداع المشاريع على مستوى المجلس العلمي للمركز، فإننا قد ارتأينا بذل كل جهودنا من أجل تشكيل فرقة البحث، والعمل حول هذا الموضوع، الذي لا نعتبره مهما فحسب، لكنه مشوق أيضا.

الأعمال العلمية التي اطلعنا عليها، كانت كلها حديثة، وكلها كانت باللغة الفرنسية (مع العلم بوجود مقالات باللغة الإنجليزية، والتي سنطلع عليها للاستفادة القصوى منها في مشروعنا البحثي)، وتتمثل أساسا في مقالات منشورة في مجلات علمية. ومواضيعها تمثلت في الأونوماستيكية السياسية، بالأخص دراسات في أسماء الأحزاب السياسية، وذلك مع التركيز على حالات من الدول الغربية، وقد لاحظنا أن البحوث والدراسات المنشورة التي تتناول الأحزاب السياسية في الدول العربية، أو الجزائر هي جد محدودة إن لم نقل نادرة.

من بين تلك المقالات التي بدت لنا في غاية الأهمية: (Paul Bacot & Michelle Lecolle, « Noms de partis politiques : une onomastique atypique » , Mots. Les langages du politique, 2019). فيها تم التطرق للمقصود بمفهوم الأونوماستيكية السياسية على أنها: " أسماء العلم التي تتمتع بخصائص معينة: إذ أنها تسمي المجموعات … ؛ ويتم اختيار هذه الأسماء من طرف نفس الأشخاص الذين سيطلقونها على هذه المجموعات بشكل جماعي ؛ تتكون من كلمات تنتمي إلى المعجم الحالي وتحمل معنى. على هذا النحو إذن، فإن اختيار اسم حزب سياسي هو مسألة دلالية (من المفترض أن يعكس الاسم شيئًا ما)، ولكنه أيضًا استراتيجي على الساحة السياسية ". (Paul Bacot & Michelle Lecolle, 2019, p.09). ويقدم هذا التعريف أهم سمات المفهوم موضوع الدراسة، ذلك أن الأونوماستية السياسية ترتبط أساسا بأسماء المجموعات، الهيئات، التنظيمات ... ذات الطابع السياسي، سواء تعلق الأمر بالأحزاب السياسية، الجمعيات، النقابات، وقد يمتد الأمر ليصل إلى أسماء التنظيمات الإرهابية، أسماء الجماعات الانفصالية، وغير ذلك. وهذا التعريف يذكر أن الاسم السياسي يتم إطلاقه بعد اتفاق أغلبية المجموعة عليه، والتي تكون في أغلب الحالات متكونة من اللغة الراهنة أو الحالية، التي يستعملها ويفهمها المجتمع. لكن في هذا السياق، قد يتم اللجوء إلى اختصارات للاسم (abréviations)، بالأخص إذا كان طويلا نوعا ما، وذلك إما بالتسمية العربية (على سبيل المثال "داعش" التي تختصر اسم التنظيم الإرهابي: الدولة الإسلامية في العراق والشام)، أو كذلك باللغة الأجنبية (مثلا نقول الأفالان في الجزائر، للإشارة إلى حزب جبهة التحرير الوطني، وهي الأحرف الأولى للكلمات الثلاثة المشكلة للحزب باللغة الفرنسية).

من بين المقالات التي نعتبرها مهمة أيضا (Paul Bacot, « développement et diversification d’une onomastique politique » , Mots. Langage du politique, 2010, p.50). والتي تناولت بالتفصيل تطور الأونوماستيكية السياسية، ومختلف تفرعاتها. وفي هذا السياق تم اعتبار "اسم العلم ذو الطبيعة السياسية (البعد السياسي)، أو الذي تم استخدامه سياسيا، في حد ذاته خطاب" . (Paul Bacot, p.50). ومن هنا إذن، يشكل البحث في الأونوماستيكية السياسية، وبالضبط في أونوماتسيكية الأحزاب السياسية في الجزائر، فرصة لبحث ودراسة معاني ودلالات هذه أسماء الأحزاب، وهذا من أجل المساهمة الإيجابية في النقاشات الوطنية حول أهم مرجعيات الأحزاب، ومحاولة فهم الديناميات أو الحركيات التي تشهدها الساحة السياسية الوطنية.

وعلى غرار الدراسات الأونوماستيكية الأخرى، فإن الأونوماستيكية السياسية لديها علاقات وطيدة، بل تتداخل مع خمسة مجالات بحثية أساسية: علم السياسة، التحليل السياسي، تحليل الخطاب، علم اللغة، علم الاجتماع. وانطلاقا من هنا سنحاول دراسة هذا الموضوع، مع التركيز على أبعاده السياسية، فدراسة أسماء الأحزاب السياسية في الجزائر إبان فترة الاستقلال، مع تحديد تلك الأحزاب المعتمدة، وذلك بحكم وجود بعض الأحزاب التي تم تستطع الحصول على الاعتماد من وزارة الداخلية، أو تم تجريدها من الاعتماد لأسباب مختلفة.

وأهم ما يجعل مشروعنا البحثي مختلف عن الدراسات التي اطلعنا عليها، هو أن موضوعنا يتمثل في دراسة أسماء الأحزاب السياسية في الجزائر، هذه الأخيرة تتميز بالتعدد والتنوع في آن واحد، وهو ما يمنح موضوعنا الأهمية، لقلة الدراسات التي تناولت الجزائر (في حدود علمنا)، والشغف العلمي من أجل مناقشة مختلف التساؤلات والسعي للإجابة عنها.

وانطلاقا من ثراء الساحة الحزبية في الجزائر، وتعدد الأحزاب (بالأخص منذ دستور التعددية السياسية في 1989)، فإننا سنعمل على دراسة أسماء مجموعة من الأحزاب السياسية، ليس فقط من الجانب اللغوي المتمثل في معنى ودلالات الاسم، لكن أيضا من الجوانب القانونية، السياسية، الأيديولوجية، ...الخ، وذلك من أجل التقرب من فهم موضوع الأحزاب السياسية بالجزائر، ابتداء بطريقة اختيار الاسم، وعلاقة هذا الاسم بالانتماءات الأيديولوجية والفكرية للمناضلين المؤسسين للحزب، أو أيضا التوجهات العامة للحزب، ومختلف الاستراتيجيات التي يتبعها من أجل الوصول إلى السلطة، وإحداث التغيير في المجتمع وفقا لما يتماشى مع قناعاته. هذه الدراسة ستركز على أهم الأحزاب السياسية في الجزائر، وعلاقة أسمائها بممارساتها في الميدان، سواء على مستوى الحزب، أو على مستوى الهيئات الرسمية للدولة حينما تصل إلى السلطة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قد نجد اسم حزب سياسي يحمل كلمة "ديمقراطي" أو "ديمقراطية"، ومنذ تأسيس الحزب، ولمدى عقود من الزمن، يبقى على رأسه نفس الأمين العام، وأحيانا لا يتم التغيير إلى بالعنف على مستوى هيئات الحزب، أو باللجوء إلى القضاء، والمفارقة تكمن في كون الحزب السياسي ينادي لتطبيق الديمقراطية على المستوى الوطني أو الرسمي.

← العودة إلى القائمة