الاتجاهات الجديدة لديموغرافية الجزائر

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : المدن والممارسات الحضرية
الملخص

تعتمد في مشروع بحثنا المؤسساتي مقاربتين مكملتين لبعضهما البعض: تدعو الأولى منهمها إلى تحليل كفي لمختلف المؤشرات المرتبطة بالمشهد الديموغرافي الجزائري ، اعتمادا على مختلف المصادر الاحصائية المتاحة ولاسيما قواعد البيانات للتعدادات السكانية، والمسوح الميدانية ، إضافة لمختلف التقارير الوطنية والدولية ذات الصلة تهدف هذه المرحلة من البحث إلى رصد الملمح العام الديموغرافية الجزائر من خلال إبراز أهم المؤشرات وطنيا ، ثم تحديدها مكانيا / جغرافيا لابراز أهم الفوارقوالتباينات المختلف مستوياتها.
بينما الثانية، والمتمثلة في المقاربة الكيفية فسيعمل فريق البحث، كل في محوره البحثي على تفسير و تحليل تلك الفوارق المكانية من خلال عمل ميداني يبحث من خلاله على أهم العوامل السوسيو اقتصادية و الثقافية الأكثر تأثيرا وتأثرا على الظواهر الديموغرافية قيد الدراسة وهذا من خلال إجراء مقابلات نصف موجهة مع :
- الفاعلين المؤسساتيين اللجنة الوطنية للسكان اللجان الولائيين للسكان مديريات الصحة والسكان مصالح الأمومة والطفولة.
- فاعلين المجتمع المدني الجمعية الوطنية لتنظيم الأسرة، الاتحاد الوطني للمقابلات .....).
- الخبراء المختصين في مسائل الديموغرفيا.
في هذا الإطار، ومن خلال التقسيم الجغرافي المعتمد من طرف المخطط الوطني لتهيئة الإقليم لسنة 2010 | (SNAT)، والذي يصنف القضاء الجغرافي إلى تسعة مناطق (EPT)، فإننا، وفي مرحلة ثانية من عمر المشروع البحثي. ستعمل كفريق بحث على تحليل الاتجاهات الجديدة لديموغرفية الجزائر من خلال اختيار المناطق الأكثر و القل تسجيلا المستويات الظواهر الديموغرافية المدروسة.

الإشكالية

عرفت الجزائر المستقلة تحوّلات سوسيو-ديموغرافية عميقة ومتباينة على مختلف فتراتها التاريخية، أهمّها تلك المتعلقة بالتركيبة العمرية و النوعية للسكان اللذين يعتبران عاملين أساسين لفهم التحولات العميقة التي مسّت الأسرة الجزائرية بصفتها أولى مؤسسات التنشئة الاجتماعية. تزامنت هذه التحولات مع بداية سيرورة الانتقالية الديموغرافية في الجزائر أواخر سنوات السبعينيات، أين عرفت مستويات الخصوبة وثيرة الانخفاض السريع و الاستعراضي مكنتها من الاقتراب نسبيا إلى عتبة التجديد سنة 2000 (من 8,36 طفل لكل امرأة سنة 1970 إلى 3,14 طفل لكل امرأة سنة 1996 و2,4 سنة 2000)، و بلتالي تغييرا بارزا في تركيبة السكان العمرية التي ميزها ارتفاعا ملحوظا في نسبة السكان النشيطين(population active) البالغين ما بين 15 و 60 سنة على حساب الفئة الأقل من 15 سنة و الأكثر من 60 سنة. هذه الأخير مكّنت الجزائر أيضا من دخول مرحلة "النافدة الديموغرافية" (dividende démographique) على غرار الكثير من الدول و لاسيما الدول العربية كلبنان، تونس، البحرين، الكويت، قطر و الإمارات المتحدة العربية (أحمد قطيطات،2007،ص414). وبالتالي كانت فرصة اقتصادية و اجتماعية لتمكين أكبر يخص كل من مؤشري التنمية البشرية والتنمية الاقتصادية للجزائر . لكن ومع بداية سنوات الألفين، بدأت مستويات الخصوبة تحذو حذوا مغايرا بحيث أصبح المعدل التركيبي لخصوبة الجزائريات يفوق 3 أطفال لكل امرأة منذ سنة 2014 وهو المستوى الذي كان عليه في سنوات التسعينيات.

هذا الاتجاه المعاكس لمستويات الخصوبة لا يمكن تفسيره إلاّ من خلال السياق العام المرتبط بمختلف المؤشرات السوسيو-ديموغرافية للجزائر خلال العقدين الأخيرين (2000-2020)،و التي يمكن تصنيفها وتحديدها في كل من الولادات، الزواج، الطّلاق، الوفاة و الهجرة باعتبارها المحرّك الرئيسي في آلية التحوّل الديموغرافي والاجتماعي لأي مجتمع.

بداية و قبل بلورة إشكالية الموضوع ، لا يمكننا تجاوز مختلف المعطيات و الإحصائيات المتاحة بشكل كلي أو جزئي لتحليل الموضوع قيد الدراسة، فبعدما رشّحت تقارير الأمم المتّحدة لسنة 2005 حول قضايا السكان استمرارية انخفاض مستويات الخصوبة في الجزائر (2,3 طفل لكل امرأة ما بين 2010-2015 ، ثمّ 2,1 طفل لكل امرأة ما بين 2015-2020 و يبقى نفسه ما بين 2020-2050)، أصبحت هذه الظاهرة السوسيو-ديموغرافية تحذوا حذو الارتفاع في العقدين الأخيرين بمؤشر تراوح بين 2,4 طفل لكل امرأة سنة 2002 ليصل إلى3,1 طفل لكل امرأة سنة 2017، و 3 سنة 2020، و هو الأمر الذّي لم يتوقّعه الكثير من الباحثين والمختصين في مسألة النمو السكاني و لاسيما في الجزائر (بولفضاوي، 2020، ص.899).ليس بعيدا عن هذه الأرقام سجّل آخر مسح عنقودي متعدّد المؤشرات لسنة 2019 (MICS6) رغبة صريحة من طرف النساء البالغات ما بين 15 و 49 سنة و اللاتي هنّ في إنجاب ما يعادل 3, 3 طفل لكل امرأة كعدد مثالي لأطفالهن.

في نفس السّياق،لا يمكننا تجاوز ذلك الارتفاع الملاحظ على عدد المواليد الأحياء، من 617.000 ولادة حية سنة 2002 إلى 1.067.000 ولادة حية سنة 2017، و 992000 سنة 2020، و بالتالي ارتفاع حتمي في معدل المواليد الخام من 19,68‰ إلى25,40‰و22,42‰ لنفس الفترة الزمنية. هذا الارتفاع أيضا لا يمكن تفسيره و تحليله بعيدا عن تلك التغيّرات الحادثة أيضا في نفس الفترة على السلوك الزواجي من خلال، أوّلا، الارتفاع المسجّل في أعداد المتزوجين، فمن 219.000 حالة زواج سنة 2002 إلى 340.000 حالة زواج سنة 2017، ما يعادل إحصائيا 6,67‰ سنة 2002 إلى 8,14‰سنة 2017 و 283000 سنة 2020.ثمّ ثانيا، من خلال تفاقم معدّلات الطلاق خلال العقدين الآخرين (من%11,10سنة 2005 إلى%19,18 سنة 2018 ).هذين المؤشرين لا يمكن فصلهما أيضا عن ذلك العزوف النسبي المسجّل لاستعمال وسائل تنظيم الأسرة من طرف النساء في سن الإنجاب (15-49 سنة)، ولاسيما في الثلاثة سنوات الأولى من الزواج.

في اتجاه معاكس لما قد ذكر سابقا، عرفت مستويات الوفيات في الجزائر انخفاضات مستمرة طيلة نفس الفترة (من 16.45 بالألف سنة 1970 إلى 4.57 بالألف سنة 2011 و 4,72 بالألف سنة2018و5,33%سنة 2020 )، وذلك نتيجة مختلف السياسات العمومية المعمول بها في مجال الصحّة، و لاسيما صحة الطفل والأمّهات التي تصبّ جلّها ضمن الأهداف المسطّرة والمرجوة من طرف "أهداف التنمية المستدامة، و التي تشير بدورها إلى مبدأ " السماح للجميع للعيش بصحة جيدة و تمكين الرفاهية للجميع و في كل الأعمار" . من هذا المنطلق، و من خلال مختلف المعطيات الإحصائية المتاحة من طرف وزارة الصحة والسكّان و إصلاح المستشفيات، سجّلت الجزائر ما يعادل 25 وفاة طفل أقل من 05 سنوات لكل 1000 ولادة حية سنة 2019 و 22.3‰ وفاة طفل أقل من سنة واحدة من نفس السنة (MICS6)،الأمر الذي جعل منها ضمن البلدان المواكبة نسبيا لتحقيق الأهداف المرجوة، ولاسيما فيما يتعلّق بوفيات الأطفال الأقل من خمسة سنوات و التي تدعوا الأمم المتحدة من خلالها مختلف البلدان لتسجيل ما لا يفوق 25وفاة طفل أقل من 05 سنوات لكل 1000 ولادة حية مع حلول سنة 2030. لكن، و مع كل هذه المجهودات تبقى معدلات وفيات الأطفال في الشهر الأول 14,9 سنة 2020 تواجه تحديا آخر يلزمها وصول عتبة أقل من 11 وفاة لكل 1000 ولادة حية في خضم سنة 2030 (ODD4).

اختياري لهذه المكوّنات الأساسية لتحليل الوضع الديموغرافي الحالي، لم يكن عشوائيا كما سبق الإشارة إليه، وإنّما هو نتيجة حتمية لوضع آني جديد يشهده السيّاق السوسيو-ديموغرافي العام للجزائر في ظل سياق اقتصادي جديد وليد أزمة صحية فرضتها "جائحة كورونا، كوفيد-19 "، و تحولات جيو-إستراتيجية على المستوى العالمي تميّزها تحديات أمنية سواء على مستوى الأمن ألغدائي، الطاقوي أو الصحي.

من هذا المنطلق، ومن أجل إعطاء صورة واضحة حول الرهانات الديموغرافية الراهنة ، سنحاول رصد الوضعية الآنية لمختلف الظواهر الديموغرافية في الجزائر في الفترة الممتدة ما بين 2000 و 2020 ، من خلال الإجابة على السؤال الجوهري المتمحور حول ماهية هذه الاتجاهات الجديدة للمشهد الديموغرافي الجزائري ؟ هل تتوزّع بشكل متقارب أو متفاوت بين مختلف مناطقها؟ وما هي العوامل السوسيو- اقتصادية و الثقافية المؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر على مستوياتها المتباينة؟ ثمّ ما هي الترتيبات المؤسساتية و العمومية التي تمّ وضعها من أجل مواجهة هذه التحديات؟

← العودة إلى القائمة