الخط العربي، الفن، الخطاط، الزّخرفة، الفن التّشكيلي، الفنان

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
الكلمات المفتاحية : الخط العربي الخطاط الزخرفة الفن الفنان فنون تشكيلية

الإشكالية

استخدم الإنسان أساليب مختلفة في التّعبير عن أفكاره ومشاعره، بدأها باستعمال الصّور والرّسوم ثمّ تطوّرت هذه الوسائل بتطوّره وارتقت برقيّه، فجسّدها على جدران الكهوف والمغارات في شكل رسومات تصوّر حياته اليوميّة البسيطة، ثمّ ظهرت في أشكال طبيعيّة استوحاها من محيطه الذي يعيش فيه، وعندما اهتدى إلى استخدام اللّغة المكتوبة، ابتكر لها حروفا، فتفنّن النّاس على اختلاف لغاتهم في كتابة أحرفهم، ونشأ فن الخطاطة والذي عدّه النّاس من الفنون الجميلة.

ويعتبر الخطّ العربي، من أشرف الخطوط وأشهرها، هذا الفن الذي يحمل بعدا رمزيا خاصا في الحضارة العربيّة والإسلاميّة، لأنّه يعبّر عن هويّة الأمة المرتبطة بالعلم والكتابة، ويعكس عمقا تاريخيّا، كما ينطوي على حسّ فنيّ، وذوق جماليّ. ويعدّ الخط العربي من أكثر خطوط العالم تنوّعا ومرونة وجماليّة، لاكتسابه قدرة لامحدودة على الصّمود والتّطور، هذا ما أثبتته الحقب الزّمنيّة التّاريخيّة عبر فتراتها المتنوّعة.

وشرف منزلة الخط العربي بين الأمم والحضارات لا يحتاج إلى إثبات أو برهان، فقد كان من أوائل وسائل التّقدّم والعمران، ويعدّ من أدقّ الفنون الجميلة، وأحسن الأشكال الهندسيّة التي عبّر بها الإنسان عمّا اختلج بنفسه من أحاسيس، وما دار بقريحته من أفكار.

فهو علم يرتكز على قواعد وشروط وأدوات، وفن يساعد في التّعبير عمّا في الوجدان والتّصوير الصادق للمجتمع، وإبداع يعمل على إبراز الجمال وتشكيل الصّور الفنيّة التي تعكس مشاعر الفرد وأحاسيسه ومظاهر بيئته.

ويقول أهل الاختصاص بوجود أكثر من سبعين خطا عربيا، أهمّها خط النسخ الذي يعدّ من أوضح الخطوط العربيّة، وخط الثلث الذي يعتبر من أجمل الخطوط وأرقاها، وخط الرقعة وهو الخط المعتاد لدى غالبية الناس، والديواني المعتمد في دواوين الملوك والأمراء، والكوفي الأكثر استعمالا لكتابة المصاحف في القرون الوسطى؛ وقد عرف الخط الكوفي تطورا ملحوظا بانتقاله لبلاد الأندلس، حيث طوّر إلى الشّكل الذي أصبح يعرف به بالخط المغربي، والذي انتشر في المغرب والجزائر وتونس وليبيا وصولا إلى موريتانيا والنيجر ومالي.

والخط المغربي الذي بقي محفوظا في الجزائر إلى حدّ الآن نشأ بين المدارس الثلاث: القيروان والمغرب والأندلس.

وتفرعت منه الخطوط المغربية وهي:

1-خط المصاحف، أو المبسوط.

2-الجزم، وهو الكوفي المتمغرب.

3-المجوهر، وهو للرسائل ونسخ الكتب.

4-المشرقي، منبسط من الثلث المشرقي، وسمي أيضا بالمغربي الأندلسي، أو الثلث المغربي.

5-المسند الزمامي، تميل قوائمه نحو اليمين، كالخط الفارسي، وبه تشابه لبعض حروفه.

وفنون الخط العربي بالجزائر هي جزء من فنون الخط العربي الرائجة بسائر البلدان العربيّة والإسلاميّة، إذ تشكّلت في كنفها وتطوّرت بمعيّتها؛ وقد انتقل الخط العربي إلى الجزائر في سياق الفتوحات الإسلاميّة، حيث ترجع أولى الكتابات العربيّة المؤرخّة التي وصلتنا إلى حدّ اليوم بالجزائر إلى القرن الأول للهجرة، السّابع للميلاد، على محامل تقليديّة بقيت شاهدة على مسارات الخط العربي بالجزائر، من جنس النّقائش والنّقود والمخطوطات ووثائق الأرشيف، إلى محامل أخرى تعدّ أقل انتشارا من الأولى، إلّا أنّها ذات قيمة تاريخيّة وأنثروبولوجيّة وفنيّة بالغة في التّعرّف على جوانب مهمّة في فنون الخط، وتتمثل في الأواني الفخاريّة، والمنسوجات، والمعادن بأنواعها، فضلا عن قطع الحجارة والجص، فكثيرا ما تلف مهادا لمخطوطات بمحتويات متنوّعة.

وتقوّى الخط العربي بتشييد المساجد والمدارس ومن بعدهم الجامعات في القيروان وبجاية وغيرهما. ونجد فن الخط العربي في المصاحف التي دأب المغاربة على كتابتها به، والمخطوطات التي دوّنت بالكتابة المغربية

قبل ظهور الطباعة، كالتفاسير والمتون العلميّة، والعمارة حيث ظهرت الأفاريز الخطية في المغارب مبكرا وذلك في الأندلس، والأثار العمرانية التي تركها التواجد العثماني، واللّوحات الفنية الخطية ذات الخط المشرقي المتمغرب.

أمّا من ناحية توزيع فن الخط العربي جغرافيا في الجزائر، فهو متواجد في كلّ أرجاء الجزائر. ويلقن في المدارس القرآنية الجزائرية والزوايا منذ القديم، والتي كان لها الفضل في المحافظة على هذا الموروث خصوصا زمن الاحتلالات المتوالية على أرضنا. أمّا في هذا العصر فقد أخذت الجامعات والمدارس الفنية الكبرى على عاتقها التكوين الأولي للخطاط المبتدئ دون التقليل من دور العلاقة بين المعلم والمتعلم. وهذا ما تقوم به مدارس الفنون الجميلة المنتشرة عبر تراب الوطن. كما تلعب جامعات قسنطينة ووهران وتلمسان ومستغانم. ومخابر البحث كمخبر المخطوطات الجزائرية في جامعة أدرار ومخبر السيميائيات في جامعة وهران وبعض المعاهد المختصة كالمعهد الوطني في التكوين المهني والصناعات التقليدية والفندقة والسياحة بتلمسان؛ كما تهتم بهذا الفن بعض المتاحف المنتشرة في البلاد كمتحف تلمسان للخط الّإسلامي، ومتحف أحمد زبانة بوهران، والمتحف الإسلامي بقسنطينة، ومديريات الثقافة المنتشرة عبر كل ولايات الوطن، كل هذه الهيئات تعمل على تنظيم المعارض والورشات والملتقيات لهذا الغرض.

ولا ننسى التنويه بالدور الذي تلعبه الجمعيات والمجتمع المدني الذي يعمل على تهيئة الظروف وتوفير الفرص السانحة لعقد لقاءات من خلال تنظيم الورش والأيام الدراسية والمهرجانات وحتى المسابقات مثل مسابقة "فرسان الخط العربي"، ومن هذه الجمعيات مثلا: جمعية الراقم بالمدية.

ومع التصاق فنون الخط في بداياتها بالثّقافة العالمة، فسرعان ما تحولت إلى ثقافة العامة، وعندما اقتحمت النّسيج الحيّ للطبقات الشّعبيّة، أصبح هذا الفن مدعاة إعجاب واهتمام فئات اجتماعية مختلفة، لأنّ فن الخط العربي ليس مجرد كتابة جميلة وزخرفة تهدف إلى إكساب الخط شكلا جميلا، وتمنح خطاطه لقب صاحب القلم أو الريشة الأنيقة، إنّما يعكس فن الخط لقارئه بعدا ثقافيّا يحمل في طياته رسالة عميقة.

أما عن مسار تدريس فن الخط في الجزائر فقد استهله الأستاذ "سعدي حكار" سنة:1962م، في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة، إلا أنّه لم يعمر طويلا حيث وافته المنية بعد سنة من تدريسه له، ومن بعده "محمد بن سعيد شريفي" الذي استلم تدريس الخط سنة: 1964م، وكان تعلم الخط في البداية مادة اختيارية ثم أدرجت ضمن مواد الدراسة، بل تخصص بعض الطلبة فيها. كما درس هذه المادة –أيضا-عبد الحميد اسكندر وعبد القادر بومالة، الثلاثة خريجو مدرسة تحسين الخطوط العربية بالقاهرة. ومن أعلام الخط في الجزائر سعيد جاب الله، ومحمد بوثليجة، وعبد المجيد غالب، ومحمد الأمين حكار، هذه بعض الأسماء التي سجلت في هذا المجال، لكن تبقى أسماء أخرى لا تزال مغمورة لم يعرّف بمجهوداتها ولم يسلط الضوء على إسهاماتها بعد، وأغلبهم من الطلاب الذين قصدوا أساتذة الخط بتركيا من أجل تلقي الدروس والإجازات.

ورغم قلة الخطاطين الدوليين في الجزائر، إلا أنّ هذه القلة صنعت لنفسها وللجزائر سمعة عالمية بمشاركاتها الإبداعية في الكثير من التظاهرات والمحافل الدولية أين حظيت بالعديد من الجوائز القيّمة، نذكر منهم: العلامة الفقيه الخطاط محمد بن قاسم القندوسي من بشار من أعلام القرن التاسع عشر، والأخوان عمر ومحمد راسم(1884-1959م) من عباقرة فن الخط العربي، من الجزائر العاصمة، الأستاذ محمد بن سعيد الشريفي ناسخ المصحف الشريف ومصمم العملات النقدية الجزائرية المولود بالقرارة بغرداية سنة:1935م، عبد الحميد محمود اسكندر وزير القلم وخطاط الرؤساء، المولود سنة: 1939م بالجزائر العاصمة؛ كما يحصي هذا الفن سلسلة من الأسماء اللامعة وطنيا ودوليا كالأستاذ محمد صفار باتي من مواليد 1971م بالجزائر العاصمة، والأستاذ بحيري محمد من مغنية /تلمسان، الأستاذ نور الدين كور من مواليد سنة: 1960م بوهران مؤلف كتاب "قواعد الخط الكوفي الحديث"، الأستاذ عبد الرحيم مولاي، من ألمع الأسماء الصاعدة محليا ودوليا، من ولاية البويرة، وغيرهم كثير لا يسعنا المقام لذكرهم جميعهم.

وقد لاحظنا في مسيرة بحثنا عن الأعمال السابقة لهذا الموضوع غيابا واضحا للدراسات الأكاديمية الجادة المتناولة لهذا الفن في الجزائر، باستثناء بعض المقالات المنشورة في المجلات العلمية، والتي كانت عبارة عن معالجات سطحية في مجملها، أو مقالات على مدونات إلكترونية تفتقر للطرح العلمي الممنهج، أو مقالات صحفية مناسباتية نشرت لتغطية معرض للخط العربي أو تظاهرة ثقافيّة تبرز جمالياته.

يُبنى فن الخط كغيره من الفنون على مجموعة من المعارف والمهارات، وعلى مقتحم ميدانه الإلمام بقدر كبير منها؛ كالمهارة الحركيّة المتعلقة بطريقة مسك القلم وتحريكه على سطح الكتابة بقوة الضغط اللازمة للمسافة المطلوبة، ومهارة فنيّة تتصل بشعور الفنان بحيّز الكتابة وكيفية التّفاعل معها وتطوير اتصال حقيقي مع الحروف والاستغراق مع اللّوحة، كما ينطوي على كمالية الشّكل وتناسبيّة الحروف التي تعكس الصور الجماليّة للأدب والدّين وقضايا المجتمع. ومع ذلك لم ينل هذا الفن حقّه من العناية والبحث والتدوين في بلادنا مقارنة بفنون أخرى، فضلا عن قصور عملية إحصاء الخطاطين الجزائريين، والتي اكتفت بذكر بعض الأسماء المشتغلة بالخط -وفقط-دون ترجمة مفصلة لهم، ومن غير تتبع دقيق لكيفيات ممارساتهم الإبداعيّة، ولا حتى تسجيل أعمالهم؛ لذلك جاءت هذه المحاولة لإبراز جوانب عديدة وخصائص فريدة لهذا الفن في الجزائر.

ويفضي بنا ذلك إلى طرح إشكاليّة ملامسة لصور التّشكيل الجمالي اللّامادي وآليات تكوينه وعلاقته بالكينونة الإنسانيّة، تظهر في تفنّن الكثير من الخطاطين الجزائريين في ممارسة هذا الفن، الذين رسموا وصوّروا وأبدعوا في تشكيل لوحاتهم من خلال توقيعهم إبداعات مميزة بلمسة فنيّة جزائريّة، فلمعت أساميهم في سمائه وعدّهم المختصون والجمهور أعمدة للخط العربي بالجزائر، فمن هم هؤلاء؟ وما هي طرائق وكيفيات ممارساتهم لهذه الصنعة؟ وماهي البصمة الجماليّة التي تركوها في هذا المجال؟وكيف يمكن استثمار عصارة التّجربة الفنيّة لديهم في تطوير مدرسة الخط في الجزائر؟

ومع هذه الإشكاليّة سنطرح إشكاليات أخرى متناسلة عنها هي كالآتي:

-فيم تكمن الخصوصيّة الجماليّة في تكوين هذا الفن؟

-هل الخط الجزائري هو الخط الأندلسي الذي قال عنه "ابن خلدون" (ت:808هـ) إنّه قد تغلّب على الخطوط الأخرى في المغرب"؟ وبم تميّز الخط الجزائري عن الخطّ الأندلسي؟ ولمن كانت العراقة والأفضليّة؟

-تُعتبر مدينة قسنطينة من بين الحواضر الجزائريّة التي جُوّد فيها هذا الخطّ، وقد كان من قبل ينحو منحى الخطّ القيرواني الشّبيه بالنّسخ المشرقي، وقد اشتهرت قسنطينة ببعض النسّاخ والخطّاطين أمثال "أبي عبد الله العطّار" و"الشّيخ إبراهيم الحركاتي" و"أحمد التليلي" وغيرهم، حتّى قارنهم بعض الكتّاب بابن مقلة (ت:328هـ)، فمن هم ؟ وما هي المهارات التي امتلكوها حتى نالوا هذا الشّرف وحازوا تلك المكانة؟

-ما هو الدّور الذي يلعبه الخط العربي في إحياء التّراث وتفعيله في الجزائر؟

ونسعى من خلال معالجة هذه الإشكاليات إلى تحقيق جملة من الأهداف أهمها:

-الحث على تحقيق الانسجام والتكامل بين ما هو وظيفي ساع إلى خدمة التّراث من خلال الإنتاجيّات الخطيّة المبنيّة على القواعد المضبوطة ذات العلاقة بالفنون الشّعبيّة، وبين ما هو روحي عامل على إبراز البعد الأنثروبولوجي الفنّي لمهندس اللّوحة ومتذوقها.

-إبراز هويّتنا العربيّة الإسلاميّة بهدف معالجتها وتطويرها وفق مقتضيات العصر.

-الدعوة إلى خلق طرق مستوحاة من التّراث الجزائري بفنونه الشّعبيّة المتنوّعة وتوظيفها في شكل ممارسات جرافيكيّة للخط العربي ارتقاء بالذّوق العام، وإبرازا للثقافة الجزائرية الأصيلة.

-فتح آفاق لمعالجة علاقة الخط العربي بالتّراث الشّعبي بشكل حداثي معاصر. بهدف إحياء هوية جزائريّة، واستجابة للوصاية المعنيّة بالتّراث والمهتمّة بالدّراسات والبحوث المعالجة لفن الخط العربي.

-إحصاء الخطاطين الجزائريين داخل الوطن وخارجه بهدف تثمين جهودهم والتّعريف بإنجازاتهم والاستفادة من خبراتهم.

← العودة إلى القائمة