التكوين الشبه طبي في الجزائر: تمثلاث الشبه طبيين للمهنة وتقويم الكفاءات: دراسة بمؤسسات التكوين والمستشفيات بكل من ولاية وهران وقسنطينة

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : الصحة العمومية والمجتمع

الإشكالية

تولي السلطات العمومية في الجزائر اهتماما بالغا لتحسين وتجويد الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين والاستجابة لمتطلباتهم، خاصّة أنّ المريض أصبح يطالب بخدمات ذات نوعية. ومراعات لذلك، باشرت الجزائر سلسلة من الإصلاحات لترقية الصحّة ومراعات المعايير الدولية للخدمات الصحية لاسيما بالنسبة لمستوى الإنفاق على الصحّة[1].

فالمنظومة الصحية في الجزائر، عرفت منذ الاستقلال عدّة إصلاحات وتغييرات، خاصّة في عملية تكوين الشبه طبيين من خلال تطوير القوانين الأساسية لهذه الفئة[2] وكذلك انشاء العديد من مدارس التكوين الشبه طبية على كامل التراب الوطني قصد تغطية العجز المسجل في الاطارات الشبه طبية وتحسين الخدمات الصحية لاسيما في الهضاب العليا وولايات الجنوب.

كما أنّ إصلاح المنظومة الصحية لا يمكنه النجاح إلا بوجود موردا بشريا مؤهلا خاصة فئة الشبه طبيين وهذا ما أورده كل من (Forest Pierre-Gerlier et autres, 2004 :151)[3] :" أنّ جودة الخدمات الصحية في المستشفيات تتوقف مباشرة على مدى ارتفاع نسبة الشبه طبيين والمهام المنجزة التي يقومون بها".

يبلغ عدد الشبه طبيين وفي كل التخصصات[4] في الجزائر ما يقارب 90 ألف شبه طبي موزعين على مختلف القطاعات الصحية العمومية والاقتصادية. ومع هذا مازال يشهد هذا المورد عجزا حادا وذلك للاعتبارات التالية: خروج عدد هائل من الشبه طبيين نحو التقاعد المسبق في نهاية سنة 2016 قُبَيْل تجميد القانون المنظم للتقاعد النسبي والمسبق (والذي سيؤدي إلى ظهور خلل في نقل الكفاءات والمهارات إلى المتخرّجين الجدد من شبه طبيين)، إلى جانب هجرة البعض الآخر إلى الدوّل الأوروبية ودول الخليج للعمل هناك. هذه الأسباب ساهمت بشكل كبير في تدنّي الخدمات الصحية. ومن جملة التدابير التي اهتدت إليها السلطات العمومية قصد ترقية الصحّة العمومية في الجزائر وتماشيا مع المستجدات الجديدة على مستوى العالمي، تّم تحويل العديد من مدارس التكوين الشبه طبية[5] إلى معاهد وطنية عليا وانشاء كليتين في العلوم التمريضية بكل من جامعة مستغانم وجامعة بجاية في إطار مشروع (LMD) ومعهدين عاليين لتكوين القابلات في الصحة العمومية بكل من تلمسان وتيزي وزو. كما عرف الإصلاح جملة من القرارات والتي تحدد كيفيات تنظيم ومحتوى برامج التكوين المتخصص للشبه طبيين في الصحّة العمومية[6].

على الرغم من كل هذه الإصلاحات، إلا أنّه ومن خلال تجربتنا الخاصة والملاحظات التي استقيناها من الميدان، نجد أنّ معظم مديري الموارد البشرية ورؤساء المصالح غير راضيين على كفاءات كل من الأطباء والشبه طبيين المتخرّجين الجدد على المستوى المعرفي، العلائقي والتنظيمي وهو ما يطرح عدّة استفهامات في كيفية تحسين نوعية الخدمات الصحية وبصفة عامة ترقية الصحّة العمومية باعتبارها مؤشرا من مؤشرات التنمية المستدامة حسب تصنيفات الهيئات العالمية.

فمؤسسات التكوين شبه طبي تسعى إلى إكساب الطلبة المتربصين الكفاءات (les compétences) اللازمة لممارسة مهنة التمريض وتسمى بمرحلة التنشئة المهنية[7] (la socialisation professionnelle) والتي من خلالها تتم عملية إستدخال أخلاقيات المهنة عن طريق الدروس النظرية وكذلك التربصات الميدانية عند التكوين. وتأتي مرحلة التوظيف والتي تسمى بمرحلة التنشئة التنظيمية[8] (la socialisation organisationnelle) وهي مرحلة جد هامة إذ تجعل من الفرد أن يكتسب ثقافة المؤسسة، القيم والعلاقات مع زملاء العمل. فالمنظومات الصحية في الدول الغربية تولي اهتمام كبير لهذه المرحلة حيث تهتم بتهيئة وتكييف موظفيها الجدد في وسط العمل الجديد وتقوم إدارة الموارد البشرية بإعداد برامج استقبال والتكوين والتوجيه ومرافقتهم ليكونوا أعضاء فاعلين ومشاركين مع التزامهم وزيادة ولائهم وتحسين أدائهم. كما أنّ التعلّم المهنّي عند الممرضين يتطلب جملة من الكفاءات (compétences) والتي تنعكس على أداء اتهم وبالتالي تحسين نوعية العمل

فالتحديات والرهانات المقبلة للجزائر فيما يخص الصحّة في المجتمع، ستحثنا على تسليط الضوء من خلال تحليل آليات التّنشئة المهنيّة (الكفاءات والمهارات المكتسبة) في مؤسسات التكوين؛ تحديد نقاط الضعف والقوة للتكوين وربطها بمتطلبات والاحتياجات التي تتطلبها ممارسة المِهّن الشبه طبية في مؤسساتنا الصحية. هذه الفجوة بين التكوين الكفاءات والمهارات المعرفية المطلوبة لدى الخرّيج الشبه طبي والتي لا تتوافق مع العمل، تجعلنا من طرح عِدّة تساؤلات: إلى مدى يرجع الاختلال بين التكوين لممارسة المهن الشبه طبية وعدم تطابقها مع متطلبات العمل داخل المؤسسات الصحية؟ ما هو دور المؤسسات الصحية في عملية تنشئة الشبه طبيين الجدد بما يتوافق مع كل مصلحة (أي خصوصيات كل مصلحة وحسب طبيعة عملها)؟ ما هي الطرق البيداغوجية التي تمَكّن للمتربص من الربط بين الجانب النظري والتطبيقي للعملية العلاجية؟ ما هي الكفاءات الأساسية التي يجب على المتربصين اكتسابها؟، هل يجب تغيير أو تكييف برامج التكوين الحالية مع المرحلة الانتقالية التي يعايشها قطاع الصحة بسبب النزيف الحاد في المورد الشبه الطبي؟ كيف يمكن استدراك التطورات الحاصلة في مجال الصحة في العالم وبلوغ الأهداف الاستراتيجية لتنمية وترقية الصحة العمومية في الجزائر.

أهداف الدّراسة:

تحقق الدّراسة الأهداف التالية:

1) تشخيص الكفاءات المكتسبة خلال عملية التكوين (التّنشئة المهنية) ومقارنتها باحتياجات مختلف المصالح الصحية في المستشفيات والمؤسسات الصحية. سنتعرف في هذا الجزء من الدّراسة على أي أساس يتم اختيار المترشحين الذين يستفيدون من عملية التكوين وهل تتطابق خصائصهم الشخصية وقدراتهم مع ما تتطلبه المِهّن الشبه طبية. يمكن في هذه المرحلة (الانتقاء والتوجيه)[9]والتي نعتبرها جد هامة من خلال إجراء اختبارات نفسية للكشف عن الاستعدادات والمهارات والقدرات المطلوبة لممارسة مهنة التمريض وكذلك المسابقات الكتابية والمقابلات الشفوية للالتحاق بالمهنة. عينة الدراسة التي سيشملها التحقيق هم المتكونين الموجودين في معاهد التكوين.

2) تحليل محتوى برامج التكوين ومدى تنميتها للكفاءات المطلوبة واستجابتها للتطورّات الجديدة وكذلك احترام المعايير المعمول بها دوليا في تحسين وتقديم خدمة صحية عمومية ذات نوعية لدى عامة الناس. التعرف على دور الطاقم التربوي في سيرورة التكوين. وعينة الدّراسة ستشمل الشبه طبيين الذين هم قيد التكوين وأساتذة التكوين الشبه الطبيين من خلال إدراكاتهم وتمثلاتهم لمهنة التمريض.

3) تحليل وتشخيص نقاط الضعف والقوة للتّنشئة التّنظيمية للشبه طبيين خلال السنتين الأوليتين من التوظيف. سنتعرف هنا على تصوّرات مسئولي الموارد البشرية ورؤساء الأقسام والمنسقين ومديري العلاج وكذلك الشبه طبيين.

من بين الأهداف البعيدة الأمّد التي ترمي الدّراسة إلى تحقيقها على المدى الطويل:

1) أنسنة) Humanisation(مستشفياتنا ولا سيما مصالح الاستعلاجات من خلال تطوير برامج تكوين في العلاقات بين المُعَالِج والُمعَالَج(La relation soignant-soigné)والتي تركز على كفاءات الاتصال والتواصل (la communication) والتعاطف (Empathie) حتى يكون هناك تكفل جيد بالمرضى.

2) تطوير محتويات وبرامج التكوين في المعاهد الوطنية للتكوين العالي شبه طبي على أساس المقاربة بالكفاءات بغرض الاستجابة لاحتياجات المرضى وكذلك ترقية الصحّة في المجتمع.

3) المساهمة مع مدراء المستشفيات ورؤساء المصالح الاستشفائية في اقتراح برامج إدماج للمتخرّجين الشبه طبيين حسب متّطلبات كل مصلحة وخصوصياتها، مع توفير مرافقين بيداغوجيين (TuteursPédagogiques)داخل المستشفيات، يكونوا من شبه طبيين ذوي الخبرة والكفاءة العالية للمساهمة في هذه العملية.

[1] حسب تقرير المنظمة العالمية للصحة، أشارت البيانات أنّ الجزائر تنفق ما قيمته 234.4 دولار/الفرد، على غرار تونس 175.3دولار والمغرب63.

[2] المرسوم التنفيذي رقم 11-92 المؤرخ في 21 ربيع الأوّل عام 1432 هجري الموافق 24 فبراير 2011.

[3] Forest Pierre-Gerlier, Gregory P. Marchildon et Ton Mclntosh (2004), « les forces de changement dans le système de santé canadien », les presses de l’université d’Ottawa, Canada.

[4] جاء في المرسوم التنفيذي 11-121 المؤرخ في 20 مارس 2011 والمحدد للقانون الأساسي للشبه الطبيين ولا سيما في المادة 2 منه إلى توزيعهم حسب الشعب التالية: شعبة العلاج/ شعبة إعادة التأهيل والتكييف/ الشعبة الطبية التقنية/ الشعبة الطبية الاجتماعية/ شعبة التعليم والتفتيش البيداغوجي شبه الطبي.

[5] بموجب المرسوم التنفيذي 11/319 المؤرخ في 9 شوال 1432ه الموافق 7 سبتمبر2011، الذي يحول مدارس التكوين شبه الطبي إلى معاهد وطنية

[6] قرار وزاري مشترك مؤرخ في 13 أفريل 2012 يحدد كيفيات تنظيم ومحتوى برامج التكوين المتخصص للالتحاق ببعض أسلاك شبه الطبيين للصحة العمومية (الجريدة الرسمية الجزائرية رقم 15 المؤرخة في 17 مارس 2013، ص.20).

[7] توسع مفهوم التنشئة الاجتماعية (la socialisation) ليشمل عالم الشغل والمهّن والتي يطلق عليها البعض بالتنشئة التنظيمية والبعض الآخر بالتنشئة المهنية إلا أنّه حسب الدّراسات تمتة فرق بينهما. فالتنشئة المهنية حسب موسوعة علم الاجتماع (1998/2008) ترى أنّها عملية تعلم الاتجاهات وأساليب السلوك اللازمة لاكتساب الكفاءة المعترف بها والمستمرة في إطار ممارسة مهنة معينة وتتضمن هذه الاتجاهات والسلوكيات والكفاءات التي تكتسب من طرف الفرد من خلال التكوين ومعايير العمل وقيم زملاء العمل والعلاقات فيما بينهم. وكذلك قدم (Martineau et autres, 2009, 246) فصل كامل تطّرق فيه إلى تعاريف مختلفة عن التنشئة المهنية لباحثين ومنهم تعريف (Helm,2004) الذي يعتبرها سيرورة يكتسب من خلالها الفرد المعارف والكفاءات والقيم الضرورية للدخول إلى الحياة المهنية على مستوى متقدم من المعرفة المهارات المتخصصة. ويذهب (Clark, 1997) عرّفها على أنّها اكتساب المعارف، القدرات، القيم والأدوار المرتبطة لممارسة مهنة معينة. أمّا بالنسبة (Klossner,2004) هي عملية يقوم على أساسها بتعلم الأفراد أدوار ومسؤوليات المهنة ويصبحوا أعضاء منشئين مع الثقافة المهنية.

[8] أمّا التنشئة التنظيمية والتي حسب (E. Schein, 1963) سيرورة يتعلّم من خلالها العامل الجديد أسرار المهنة أو المهام التي سيقوم بها. صنف كل من (Berger et Luckman, 2003,P 189) التنشئة الأولية (socialisation primaire) و (La socialisation secondaire) وحسب مقاربتهما فالتنشئة الإجتماعية الثانوية هي" استدخال أخلاق مأسسية خاصّة واكتساب معارف متخصصة وأدوار تكون بطريقة مباشرة أوغير مباشرة متجذرة في تقسيم العمل.

[9] يتم استقطاب المترشحين للممارسة المِهن الشبه طبية على أساس ترتيب معدلات شهادة البكالوريا. ونعتقد أنّها ليست كافية ودون مراعاة الخصائص الشخصية والنفسية لهم.

← العودة إلى القائمة