تكوين الأئمة والمرشدات في الجزائر : الخطاب الديني والذاكرة الوطنية

نوع المشروع : مشاريع المؤسسة
المحور : الحقل الديني وممارسات التديّن

الإشكالية

ننطلق في اقتراح هذا المشروع من تراكم دراسات ميدانية أنجزناها ضمن فرق بحثية مختلفة بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، كراسك، في الاثني عشر سنة الأخيرة، حول الحقل الديني في الجزائر، خاصة مخرجات ثلاثة مشاريع بحثية مؤسسية: مشروع مقاربات ممارسة المواطنة في الجزائر (2012)، مشروع الأئمة ومأسسة السلطة الدينية في الجزائر (2019) ومشروع مؤسسات إنتاج المؤسسات الدينية (2024). تناولت هذه المشاريع أو محاور منها موضوع الخطاب الديني عند الإمام ورهانات إنتاجه وعلاقته بالخطاب الرسمي حول مضامين الذاكرة والوطنية والمواطنة، خاصة ما تعلق منه بخطاب " المرجعية الدينية الوطنية "، وقد تعرّضت بعض تلك المشاريع إلى واقع تكوين الـأئمة لكن بشكل ثانوي فقط.

نتوخى في هذا المشروع البحثي مناقشة مسألة التكوين الديني للأئمة والمرشدات في علاقتها بثنائية الذاكرة الدينية والذاكرة الوطنية والمعارف والخطابات المنتجة حولها في الجزائر والعالقة بين الخطاب "الرسمي الوطني" الُمَمركز إلى جانب السرديات الدينية "غير الرسمية" سواء كانت في السياق المحّلي الجماعاتي مثل غرداية على سبيل التخصيص أو سرديات دينية افتراضية لأئمة و" دعاة" في الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي. وعودة إلى السياق العام للموضوع نشير إلى أنه غداة استقلال الجزائر، ُطرحت على مستوى الخطاب الرسمي للدولة الوطنية ضرورة "تحرير" الخطاب الديني من شوائب الاستعمار، فاتجه النزوع البيروقراطي الممركز نحو ضرورة نشر "خطاب ديني جديد وقيم دينية جديدة ومؤسسات دينية جديدة"، وساد بذلك خطاب حول الذاكرة الدينية يعتمد على سردية "الخطاب السياسي الوطني" أطلق عليه تسمية "المرجعية الدينية الوطنية". ينطلق هذا الخطاب من مرجعية فقهية مالكية وعقائدية أشعرية واتجاه متململ بين البعد الصوفي والبعد الإصلاحي الباديسي، إلى أّنه يستهدف" ربط الديني بالوطني في بعده الثوري"، ويتواصل هذا الخطاب إلى يومنا هذا في بعض الخطابات التصريحات الرسمية. وفي مقابل ذلك، نجد في السياقات المحّلية خطابات مختلفة غير رسمية حول الذاكرة الدينية أساسها ذاكرة دينية ومحلية وجماعاتية أحيانا قد تشترك مع الخطابات الرسمية الممركزة في جوانب وتختلف عنها في أخرى، ومنطلقاتها الفقهية والعقائدية وحتى التاريخية مختلفة، كما هو الحال في غرداية على سبيل المثال لا الحصر. كما نستهدف بحث أثر السرديات الدينية الرقمية، في المنصات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، على المحتوى التكويني ومخرجاته وخطاب المتربصين في المدارس والمعهد المختلفة من أئمة ومرشدات.

ينصبّ اهتمام هذا المشروع الجديد على موضوع " تكوين الأئمة في الجزائر ومضامين الذاكرة الوطنية " ، حيث سنقف عند مقررات المؤسسات التي تُعنى بتكوين الأئمة، المسارات التكوينية للأئمة في مجتمع البحث، وخطابات الأئمة والدعاة أو الوعاظ في الفضاء الافتراضي، وعلاقتها بالمضامين "الرسمية" للخطاب الوطني والذاكرة الوطنية والمواطنة ومختلف الرهانات والتحدّيات المرتبطة بهذا التزاوج المعرفي بين " الديني" و" الوطني" ، خاصّة ما تعلّق منها بالمرجعيات الدينية ( الفقهية والعقائدية ) المبرّرة له وأشكال التحفّظ والرفض والمقاومة لهذا التوجّه الرسمي ومبرّراتها الدينية.

وستكون الفرصة سانحة في هذا المشروع للوقوف عند أنماط ومحتويات وأهداف ومخرجات التكوين في المدرسة الوطنية (دار الإمام)، والمعاهد الوطنية لتكوين الأئمة، إضافة إلى ذلك بحث المسار التكويني للمرشدات الدينية، إضافة إلى السرديات الافتراضية، من أجل مناقشة العناصر التكامل والتوتّر بين الخطاب الديني وبعد الذاكرة الوطنية على مستوى المنظومة التكوينية للأطر الدينية في الجزائر وعلاقتها بالسرديات الدينية الافتراضية. وفي هذا السياق، نستهدف تعميق البحث والمقارنة لنقف عند مسارات تكوين نماذج أخرى، نفترضها مختلفة، من الأئمة والمرشدات في الحالة الإباضية بغرداية أي مدارس الإيروان وتكوين الغسّالات والعزّابيات (تيمسيريدين). كما نتناول بالتحليل عددا من الصفحات والمواقع والمنتديات الحوارية لمؤثرين و" دعاة منصات" يتناولون قضايا وسرديات " منافسة" و " مربكة" للخطاب الديني "الرسمي" والمحتوى التكويني في مدارس ومعاهد تكوين الأطر الدينية.

أهمّ أسئلة الانطلاق في هذا المشروع: ماهي مضامين المقررات التكوينية للأئمة والمرشدات في المدارس والمعاهد التكوينية؟ ماهي مقررات مدارس تكوين أئمة المساجد والغسّالات (تيمسيريدين) بغرداية؟ كيف تصاغ العلاقة بين الخطاب الديني والخطاب حول الذاكرة الوطنية والذاكرة المحلية في تلك المضامين؟ وما هي خطابات الفاعلين، متربّصين ومتربّصات، أساتذة ومكوّنين، ومواقفهم من تلك المضامين؟ ماهي أهم مضامين وخصاص الخطاب الديني في مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي؟ ماهي مواقف الأئمة والمرشدات من خطابات المؤثرين وسردياتهم الدينية في الفضاء الافتراضي؟ ما هي الموضوعات التي تثير توترات لدى الأئمة والمرشدات بين ماهو خطاب ديني وطني ومحلي وسرديات عابرة للحدود عبر المنصات الرقمية؟

يجدر التنويه إلى أنّ هناك العديد الدراسات الميدانية والمساهمات المنشورة التي تناولت خطابات وممارسات أئمة المساجد وتلك العلاقة بين الخطاب الرسمي الذي يستهدف مأسسة الحقل الديني والخطاب الديني للفاعلين الدينيين من أئمة في المساجد أعضاء لمجالس دينية رسمية كانت أو عرفية. ومن تلك الدراسات ما تعلق بحالة الجزائر أو المنطقة المغاربية والعالم العربي أو دراسات وتقارير خبرة دولية. نذكر من تلك الدراسات على سبيل المثال لا الحصر: مساهمة عبد الرحمن موساوي[1] حول المساجد في الجزائر من خلال خطابات وممارسات الفاعلين، كتاب محمد بغداد[2] حول إنتاج النخب الدينية في الجزائر، دراسة فرانك فريغوزي[3] حول التنظيم المؤسسات للإسلام في تونس، مساهمة محمد كرو[4] حول سياسات الإسلام في تونس، بحث القاسمي محمد رؤوف[5] حول التنظيمات المسجدية في الجزائر، دراسة عبد الحكيم أبو اللوز[6] حول السياسة الدينية في المغرب، أطروحة عباس بوغالم[7] حول المسألة الدينية والمؤسسة الملكية بالمغرب، التحقيق الميداني حول القيم والممارسات الدينية في المغرب[8]، مساهمة أحمد زايد[9] حول الخطاب الديني في مصر اليوم و دراسة محمد نبيل ملين[10] حول العلاقة بين المؤسسة الدينية والمؤسّسة السياسية في السعودية. ولا يفوتنا أن نحيل إلى الدراسات الأخيرة حول الأئمة في فرنسا وأهمها الدراسة الميدانية لـ [11]Solenne Jouanneau بعنوان: الأئمة في فرنسا، سلطة دينية تحت المراقبة[12].

كما تشهد الدراسات السوسيولوجية والسوسيوأنثروبولوجية[13] اليوم اهتمامًا متزايدًا بتحليل موضوع تكوين الأئمّة والمرشدات والأطر الدينية كظاهرة اجتماعية وسياسية، باعتبارها تقاطعًا بين الدين، الدولة، والسياسات العمومية. ويمكن أن نضيف مثلا في السياق الجزائري والمغاربي، البحث الذي أعده Mohammed Khalid Brandalise Rhazzali وDjilali El Mestari تحت عنوان Religion, State, and Moral Re-Education: Imam and Murshidat in the Algerian Prison System from a Maghrebi Perspective (منشور في مجلة Religions عام 2026) والذي يحلل كيف يتم توظيف تكوين الأئمّة والمرشدات داخل النظام السجني كآلية للضبط الاجتماعي وإعادة التأهيل الأخلاقي، مستفيدًا من نظريات سوسيولوجيا الدين مثل أفكار Bourdieu وBerger لفهم دينامية السلطة الروحية والمؤسساتية في الجزائر مقارنة بتونس والمغرب. وعلى المستوى المغاربي والمقارن الدولي، تناولت أبحاث متعددة تجربة تدريب الأئمة والمرشدات في سياقات مختلفة، من بينها بعنوان Training of Imams, Murshidat and Muslim Religious Leaders: Experiences and Open Questions of Italy، والتي تعرض حالة إيطاليا كنموذج لتحليل التداخل بين المؤسسات التعليمية المدنية (الجامعات) والمنظمات الإسلامية في تدريب الأئمّة والمرشدات ضمن عالم متعدد الأديان والثقافات، متحدية بذلك نماذج التكوين التقليدية ومؤكدة على التفاعل بين الفعل الديني والسياسات العامة. إلى جانب هذه المناهج المقارنة، ثمة دراسات عالمية أوسع تبحث في أبعاد تكوين القادة الدينيين أو الأئمة المسلمين ضمن مجتمعات متعددة، مثل تقرير Education and Training of Muslim Religious Professionals in Europe and North America الذي يرصد التحديات المتعلقة بهيكلة برامج تكوين الأئمّة والمرشدات في أوروبا وشمال أمريكا، مشيرًا إلى الحاجة إلى دمج الاعتبارات المهنية pastoral skills مع التعليم الديني التقليدي لضمان فعالية الدور القيادي الروحي في سياق معاصر. كما أنّ الأدبيات السوسيولوجية العامة حول تكوّن القيادات الدينية – داخليًا وخارجيًا – تتضمن أعمالًا مرجعية مثل The Training and Development of Muslim Faith Leaders التي تؤكد تنوّع وظائف القادة الدينيين (الإمام، المرشدة الدينية، المربي الروحي) وأهمية اعتبار التكوين كعملية تربوية تشمل البعد النظري والتطبيقي في آنٍ واحد.

تشترك هذه الدراسات والتقارير في التوصيف السوسيولوجي لتكوين الأئمّة والمرشدات كعملية ليست مجرد إعداد علمي/ديني، بل تكوين اجتماعي وبناء سلطة رمزية في فضاءات متعددة (الدولة، المجتمع، المؤسسات الدينية)، وتطرح أسئلة حول العلاقة بين الدين والمجتمع والدولة، واحتياجات المجتمعات المعاصرة، والتعدديات الثقافية والتنظيمية التي تواجهها برامج التكوين هذه.

[1] Abderrahmane Moussaoui, « La mosquée en Algérie. Figures nouvelles et pratiques reconstituées », Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée [En ligne], 125 | juillet 2009, mis en ligne le 05 janvier 2012, consulté le 22 mai 2012. URL http://remmm.revues.org/6159.

[2] بغداد، محمد، إنتاج النخب الدينية في الجزائر، الجزائر، دار الوعي للنشر والتوزيع، 2010.

[3] Frégosi, F. « La régulation institutionnelle de l’islam en Tunisie ; entre audace moderniste et tutelle étatique », in Frégosi F. et Zeghal M. Religion et politique au Maghreb, Paris, éditions Institut Français des Relations Internationales, 2005.

[4] Kerrou, M. (1998), « Politiques de l'islam en Tunisie », in M. kilani (dir.), L’islam et changement social, Lausanne, Payot. 1998.

[5] القاسمي، محمد رؤوف، التنظيمات المسجدية، وهران، دفاتر المركز الوطني للبحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية Crasc، ملف الحركة الجمعوية في الجزائر الواقع والآفاق، تنسيق الزبير عروس. رقم 13، 2005.

[6] أبو اللوز، عبد الحكيم، "التوجهات الجديدة للسياسة الدينية في المغرب"، مجلة إنسانيات (المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية)، عدد 31، جانفي- مارس 2006، ص.ص.31-43.

[7] عباس بوغالم، المؤسسة الملكية والمسألة الدينية بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، الموسم الجامعي 2007-2008، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة، المغرب (غير منشورة).

[8] El Ayadi,M. et autres. L’islam au quotidien, Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuse au Maroc, Casablanca, éditions Prologues, 2007.

[9] زايد، أحمد، صوت الامام… الخطاب الديني من السياق إلى التلقي، القاهرة، دار العين للنشر، 2017.

[10] ملين، محمد نبيل، علماء الإسلام؛ تاريخ وبنية المؤسسة الدينية في السعودية بين القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين، ترجمة: محمد الحاج سالم وعادل بن عبد الله، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، 2011.

[11] Jouanneau, Solenne, Les imams en France,une autorité sous contrôle, Marseille, Agone, 2013.

[12]زايد، أحمد، صور من الخطاب الديني المعاصر. خطاب المؤسسة والنخبة، القاهرة، دار العين للنشر، الطبعة الأولى، 2007.

[13] هذه قائمة أولية ببعض الدراسات والتقارير تلخص ما نشير إليه حول الموضوع:

1. Training of Imams, Murshidat and Muslim Religious Leaders : Experiences and Open Questions - An Overview of Italy

ورقة تحليلية منشورة في مجلة Religions تدرس تجربة إيطاليا في تدريب الأئمّة والمرشدات بالتعاون بين الجامعات الإيطالية والمنظمات الإسلامية، وتستعرض تحديات هذا المجال.

Valentina Schiavinato & Mohammed Khalid Rhazzali - Religions (2023)

2. Discussion Paper : Why Should Europe Care about Training Imams ?

ورقة تحليلية تناقش أهمية تطوير مناهج تدريب الأئمّة في أوروبا، خاصة في ظل التغيرات الاجتماعية والسياسية. IFFSE Report (2021)

3. Training in Europe : Changes and Challenges

فصل في كتاب أكاديمي يتناول تدريب الأئمّة في أوروبا عبر التاريخ الحديث، ويتناول التحديات المؤسسية والتربوية لتطوير برامج تدريب محلية تلائم السياقات الأوروبية.

Farid el Asri et al., inImams in Western Europe: Developments, Transformations, and Institutional Challenges (2018/2025)

4. Education and Training of Muslim Religious Professionals in Europe and North America

تقرير دولي شامل يناقش حالة تكوين الأئمّة والقيادات الدينية الإسلامية في أوروبا وشمال أمريكا، ويقدّم مقارنة بين أنظمة التدريب والمنهجيات والتحديات. 2020.

CopyPaste to Domestic Training? Muslim Religious Leadership in Europe and From North America .5

تقرير مؤتمر دولي حول تدريب الأئمّة والقيادات الدينية في المجتمعات الغربية، يتضمن آراء خبراء من حوالي دولة حول الإطار الاجتماعي والمؤسساتي لتكوين القيادات الدينية.

International Conference Report (Berli, Workshop, 2019).

← العودة إلى القائمة